التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فم وأذنان أم أذن وفمان؟


 لماذا يتكلم الناس أكثر مما يسمعون؟ ... كنت في لقاء عائلي كبير نتجاذب أطراف الحديث ونتعرف على أخبار الأخرين للاطمئنان عليهم، وفي هذه الأثناء لاحظت شيئاً غريباً.. لن أطيل عليكم، فأكثر ما شد انتباهي وأثار نفسي أننا جميعا نتكلم ... ووجدتُ نفسي تسألني...... لماذا؟
تذكرت قول سقراط الحكيم "خلق الله لنا لساناً واحداً وأذنين لكي نسمع أكثر مما نقول" وتيقنت من السؤال الذي سأَلَته لي نفسي لماذا نتكلم أكثر مما نسمع؟ لماذا لا نعطى لبعضنا البعض فرصة للكلام والاستماع؟
أعتقد أن الأمر مرتبط بحالات نفسية تصيب الإنسان فيرى علماء النفس أن ذلك يرجع إلى عدم الثقة في النفس أو يكون إحساس بالفراغ وقتل الوقت أو الخوف من مواجهة الأخرين.
وتشير الأبحاث أن النساء أكثر ثرثرة من الرجال، وهذا يرجع إلي وجود هرمون الأستروجين الذي يزيد من القدرة على الحركة والتواصل. وبهذا الصدد تشير دراسة بريطانية أن المرأة تستطيع التحدث 23 ألف كلمة على مدار اليوم، أما بالنسبة للرجل فلا يستطيع أن يتكلم بأكثر من 12 ألف كلمة في اليوم فقط، أي أقل من نصف كلام المرأة.
لذلك يجب علينا أن نرجع لقول الله تعالي: أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ (الـبلد:8-9)، عندما نتأمل هذه الآية الكريمة نجد أن نعم الله علينا كثيرة لا تحصى ولا تعد فأعطنا العينين ووضع لهما غطائين لحمايتهما، وكذلك أعطنا الله لسانا لنتكلم به فان غلبك لسانك فأطبق عليه بشفتيك. وفي الصحيحين عن رسول الله (ص) "من كان يؤمِن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
وروى الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم قولاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه "من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولي به". وجاء في كتاب المستطرف في كل فن مستظرف، أنه قيل لرجل: "بم سادكم الأحنف، فو الله ما كان بأكبركم سنا، ولا بأكثركم مالا؟ فقال: "بقوة سلطانه على لسانه".
وقد ذكر أبو الحسن الماوردي رحمه الله في كتابه "أدب الدنيا والدين" أربع شروط للكلام الذي ينتفع به، أولا أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إما في اجتلاب نفعا أو دفع ضرر، وثانيا أن يأتي به في موضعه ويتوخَّى به إصابة فرصته"، وثالثا أن يقتصر فيه على قدر الحاجة، وأخيرا أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.
وعلينا أن نتذكر قول الله تعالي: وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ (الانفطار:10-12). لذلك أحبتي لابد لنا جميعا أن نتعلم آداب الحديث والاستماع ومنها:
·       الإنصات خاصة إذا كنت تسمع كلام الله تعالي لابد أن يكون هناك إجلال واحترام.
·       أن تختار الكلمات والألفاظ المناسبة للحديث.
·       ألا يتسرع المتكلم في الحديث ليكون له السبق في الكلام. فالإنصات أفضل بكثير.
·       أن نلتفت للشخص عند الكلام فلا نعرض عنه، أو نعبس في وجهه.
·       البعد عن الكلام الفاحش والألفاظ البذيئة.
·       ألا نتحدث مع شخص ونترك الأخر دون أن نتجاذب معه أطراف الحديث. روي الإمام مسلم في صحيحه قوله (ص) "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فان ذلك يحزنه"
أتمنى ألا أكون قد أطلت عليكم ولكنى تنبهت لظاهرة قد تغضب الله تعالي وتدمر البيوت فيقل معها الخير والبركة. اسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه الخير والهداية والرشاد.

إيمان محمود
ليسانس دراسات إسلامية - جامعة الأزهر - مصر




تعليقات

  1. لقد استفدت حقا جزاك الله خيرا

    ردحذف
  2. ما شاء الله
    اجزتى فاوجزتى
    نأمل فى مزيد من هذا الكلام الأكثر من رائع

    ردحذف
  3. جزاكم الله خيرا وماشاء الله على الأسلوب وفى انتظار المزيد

    ردحذف
  4. لكم التحية علي رد الانسان الي صوابه ومعايرة ميزانه الذي خصه به علي سائر مخلوقاته

    ردحذف
  5. كلام جميل جعله الله في ميزان حسناتك

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشار أو الزعتر الإسباني

أنصح بزراعة هذا النبات في شُرفة كل بيت. إنه الشار نبات عشبي معمّر من العائلة الشفوية التي تضم أيضًا النعناع والزعتر والمريمية والريحان وهو نبات من أروع النباتات وأكثرها قيمة غذائية وطبية وهو من النباتات الطبية والعطرية السهل جداً زراعتها في شرفة المنزل والاستفادة منها مباشرة. اسمه العلمي Plectranthus amboinicus   وأوراقه بيضاوية سميكة وعصارية هشة ولها رائحة عطرية طيبة ينمو بسرعة ويتشعب كثيراً ويمتد في الأرض ويصلح أن يكون من النباتات المتدلية له تسميات كثيرة منها الزعتر الإسباني، الزعتر الفرنسي، النعناع المكسيكي، لسان الثور الهندي، الأورجانو الكوبي، زهرة الغمد العطرة وهو يختلف عن الزعتر البلدي المعروف وهو ينبت في الطبيعة في جنوب السعودية وفي اليمن ويسمونه الشار ويزرع بشكل واسع في بلاد الهند وفي جنوب شرق آسيا ويستخدم في الطهي في منطقة البحر الكاريبي والهند وماليزيا، كما ينمو في المناطق شبه المدارية أو المعتدلة الدافئة بما في ذلك نيبال وسريلانكا وبورما واجزاء من شرقي أفريقيا، ويزرع أيضا كنبات للزينة لرائحته الطيبة وحالياً يزرع بشكل واسع في إقليم جوجارات بالهند من أجل استع...

لمن يريد النجاح ... تعلم أسباب الفشل

في إحدى محطات مترو أنفاق العاصمة الأمريكية واشنطن وفي صباح يوم مزدحم، وقف رجل يحمل آلة كمان وبدأ يعزف عليها عدة مقاطع مختارة من موسيقي باخ واستمر يعزف لمده ٤٥ دقيقة، وخلال هذه المدة، مر عليه حوالي 1100 شخص في محطة المترو، كان معظمهم في طريقهم صباحاً إلى العمل! ولم يتوقف ويُصغي لهذا العازف إلا 6 أشخاص فقط، بينما أعطاه 20 شخص فقط بعض المال والذي بلغ مجمله 32 دولار فقط! وعندما أنتهى هذا العازف لم يُصفق له أحد، ولم يلاحظ أحد أن هذا العازف هو "جوشوا بيل" وهو   واحد من أشهر عازفي الكمان في الولايات المتحدة الأمريكية، بل وعلى مستوى العالم، وأنه قد عزف أمامهم مجموعة من المقطوعات الموسيقية الأكثر تعقيداً، والأكثر روعة لـ باخ وأنه كان يعزف علی كمان قيمته 3.5 مليون دولار، وأنه قبل يومين فقط من لحظة عزفه في مترو الأنفاق، بيعت تذكرة الدخول لحفلته في أحد المسارح في بوسطن بحوالي 100 دولار وكان على حفلته إقبال غير مسبوق من عشاق الموسيقى! أما لماذا عزف "جوشو بيل" في محطة المترو، فإن هذا قد تم ضمن تجربة نظمتها صحيفة الـ واشنطن بوست كدراسة اجتماعية حول الإدراك وأولويات الب...